الأهرامات ليست حجارةً صامتة، بل شهادةُ عزٍّ خالدة، ونُطقُ مجدٍ لا يشيخ. قامت شامخةً في وجه الزمان، تتحدّى القرون، وتُعلن أن هذه الأرض أنجبت شعبًا لا يعرف المستحيل. لم تكن الأهرامات قبورًا فحسب، بل كانت إعلانًا صريحًا عن عبقرية العقل المصري، الذي سبق عصره، وضبط العلم بالحكمة، والهندسة بالإيمان، فخرج البناء معجزةً تقف لها الإنسانية إجلالًا.

أما النيل، فهو شريان الخلود، وسِرُّ البقاء، ورايةُ الحياة التي لم تنكسها الأيام. من مياهه وُلدت الحضارة، وعلى ضفافه تعلّم الإنسان الزراعة، والنظام، واحترام الزمن. لم يكن النيل نهرًا عابرًا، بل كان عهدًا بين الأرض وأهلها، يعطيهم الخير فيعطونه الوفاء، فيبقى خالدًا بخلودهم.

وإن أعظم ما في مصر لم يكن الحجر ولا الماء وحدهما، بل الإنسان المصري؛ ذلك الشعب الذي صاغ المجد بعرقه، وحرس الأرض بدمه، وبنى الحضارة بعقله وصبره. شعبٌ إذا واجه الشدائد اشتدّ، وإذا طال الزمن ازداد ثباتًا، فكانت إنجازاته عبر العصور شاهد صدق على عظمة أمةٍ كُتب لها الخلود.

مصر لم تكن يومًا صفحةً في كتاب التاريخ، بل كانت عنوانه، ولم تكن حضارةً مضت، بل مجدًا متجددًا، ينهض كلما نادى الواجب، ويقف شامخًا لأن جذوره ضاربة في عمق الأزل.